الشيخ محمد رشيد رضا
330
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
السياق حكاية أنواع جحودهم في جملتها ، وان التعبير بالمضارع في هذه وما قبلها وفيما سيأتي من قوله ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ) وقوله ( وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) انما هو لما يتكرر من أقوالهم في الجحود ، فان اقتراح نزول آية كونية عليه قد تكرر منهم وذكر في سور منها ما نزل قبل هذه السورة ( يونس ) ومنها ما نزل بعدها كما سنوضحه بشواهده ، فمعنى الآية هكذا : وَيَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ أي قد قالوا ولا يزالون يقولون هلا أنزل على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم آية كونية كآيات الأنبياء الذين يحدثنا عنهم ، حكى سبحانه عنهم هذا الاقتراح هنا مجملا وأجاب عنه جوابا مجملا لان كلا منهما قد سبق مفصلا في سور أخرى ، وقد جهل هذا كفار الافرج وتلاميذهم من ملاحدة مصر ، فقالوا في مثله ان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان في مكة يفر من مناظرة المشركين فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ والآيات من عالم الغيب عند اللّه تعالى وبيده وحده لأنها خوارق فوق قدرة البشر ، وانما أنا بشر والغيب للّه لا يعلمه غيره ، فإن كان قدر إنزال آية على فهو يعلم وقتها وينزلها فيه وأنا لا أعلم إلا ما أوحاه إلي فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ لما يفعله بي وبكم كما قال تعالى بعد حكاية رميه صلّى اللّه عليه وسلّم بافتراء القرآن ( 46 : 9 قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ ، إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ ) ويفسر ما ينتظره وينتظرونه منه قوله في أواخر هذه السورة ( فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ) وفيه إنذار لهم بالعذاب وهو قسمان : عذاب الاستئصال لمن أوتوا ما اقترحوا على رسلهم من الآيات فأصروا على الجحود والعناد ، وعذاب من لم يؤتوا ذلك وهو خذلانهم ونصر الرسل عليهم في الدنيا وما وراءه من عذاب الآخرة حكى اللّه تعالى عنهم اقتراح آية أو آيات مبهمة في بعض السور ، واقتراح آيات معينة في سور أخرى منها ما نزل بعد هذه السورة وهي الحجر ( 15 : 6 - 8 ) فالانعام ( 6 : 8 و 9 و 39 - 41 و 109 - 111 فالأنبياء ( 21 : 5 ) فالعنكبوت